صديق الحسيني القنوجي البخاري
205
فتح البيان في مقاصد القرآن
خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقارا لأعمالهم واعترافا بما يجب للّه سبحانه عليهم . وجملة إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ مقررة لمضمون ما قبلها مبينة أن ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد لجواز أن يحل به وإن بلغ في الطاعة ما بلغ ، وأن يحق كل أحد أن يخافه ، ويكون مترجما بين الخوف والرجاء . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء ، ولشبههن في جريان التصرف عليهن عبر عنهن « بما » التي لغير العاقل فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ على ترك الحفظ فَمَنِ ابْتَغى أي طلب منكحا وَراءَ ذلِكَ أي غير الزوجات والمملوكات . فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ أي المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام والمتعدون ما حد لهم ، وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والزنا والاستمناء بالكف ، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين مستوفى . وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ أي لا يخلون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها ، ولا ينقضون شيئا من العهود التي يعقدونها على أنفسهم ، قرأ الجمهور لأماناتهم بالجمع وقرىء بالإفراد وهما سبعيتان ، والمراد الجنس وهي تتناول أمانات الشرع ، وأمانات العباد ، ويدخل فيها عهود الخلق والنذور والأيمان ، وقيل الأمانات ما تدل عليه العقول . والعهود ما أتى بها الرسول . وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام وحسن الأداء ، ويقيمونها عند الحكام على من كانت عليه من قريب أو بعيد ، أو رفيع أو وضيع ، بلا ترجيح للقوي على الضعيف ، ولا يكتمونها ولا يغيرونها إظهارا للصلابة في الدين ، ورغبة في إحياء حقوق المسلمين . وقد تقدم القول على الشهادة في سورة البقرة قرأ الجمهور بشهادتهم بالإفراد وقرىء بالجمع ، قال الواحدي : والإفراد أولى لأنه مصدر ، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات ، قال الفراء ويدل على قراءة التوحيد قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ [ الطلاق : 2 ] وقيل أراد بالشهادة الشهادة بكلمة التوحيد ، والأول أولى . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 34 إلى 44 ] وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 34 ) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ( 35 ) فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ( 36 ) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ( 37 ) أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 )